ابن أبي الحديد

141

شرح نهج البلاغة

قرب فبعد ، وبعد فقرب ، يجيب دعوة من يدعوه ، ويرزقه ويحبوه ، ذو لطف خفى ، وبطش قوى ، ورحمة موسعة ، وعقوبة موجعة ، رحمته جنة عريضة مونقة ، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة . وشهدت ببعث محمد رسوله ، وعبده وصفيه ، ونبيه ونجيه ، وحبيبه وخليله ، بعثه في خير عصر ، وحين فترة وكفر ، رحمة لعبيده ، ومنة لمزيده ، ختم به نبوته ، وشيد به حجته ، فوعظ ونصح ، وبلغ وكدح ، رؤوف بكل مؤمن ، رحيم سخي ، رضى ولى زكى ، عليه رحمة وتسليم ، وبركة وتكريم ، من رب غفور رحيم ، قريب مجيب . وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم ، وذكرتكم بسنة نبيكم ، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم ، وخشية تذري دموعكم ، وتقية تنجيكم قبل يوم تبليكم وتذهلكم ، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته ، وخف وزن سيئته ، ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع ، وشكر وخشوع ، بتوبة وتورع ، وندم ورجوع ، وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه ، وشبيبته قبل هرمه ، وسعته قبل فقره ، وفرغته قبل شغله ، وحضره قبل سفره ، قبل تكبر وتهرم وتسقم ، يمله طبيبه ، ويعرض عنه حبيبه ، وينقطع غمده ، ويتغير عقله ، ثم قيل : هو موعوك ، وجسمه منهوك ، ثم جد في نزع شديد ، وحضره كل قريب وبعيد ، فشخص بصره ، وطمح نظره ، ورشح جبينه ، وعطف عرينه ، وسكن حنينه ، وحزنته نفسه ، وبكته عرسه ، وحفر رمسه ، ويتم منه ولده ، وتفرق منه عدده ، وقسم جمعه ، وذهب بصره وسمعه ، ومدد وجرد ، وعري وغسل ، ونشف وسجي ، وبسط له وهئ ، ونشر عليه كفنه ، وشد منه ذقنه ، وقمص وعمم ، وودع وسلم ، وحمل فوق سرير ، وصلى عليه بتكبير ، ونقل من دور مزخرفة ، وقصور مشيدة ، وحجر منجدة ، وجعل في ضريح ملحود